مفهوم الكونفدرالية والدولة الفدرالية في نظم الحكم المعاصرة
مفهوم الإتحاد المستقل أو المتعاهد أو ما يطلق عليه عادة بالكونفيدرالية (Confederation State),ومفهوم الدولة الاتحادية والذي يطلق عليه اسم الفيدرالية (Federation State), حيث أن هذه المفاهيم بدأت تأخذ حيزا واسعا من التداول من قبل أواسط المفكرين ,والسياسيين ,والمحليين والصحفيين ودول المحيط الإقليمي، وعليه رأيت أنه من الأهمية التعرض لمفهوم الكونفدرالية وسماتها ومميزاتها العامة ودورها وطرق أدائها والتكييف القانوني للكونفدرالية وكيف يمكن للكونفدرالية أن تعتبر مرحلة انتقالية وتتحول إلى إتحاد مركزي أو ما يطلق عليه عادة بالدولة الفدرالية مما يحتم علينا أيضا أن نتحدث عن مفهوم الفيدرالية وتعريفها والنظر في كيفية قيام الدولة الاتحادية وخصائصها والتحدث عن مظاهر الوحدة في الدولة الاتحادية من أجل تبصير الرأي العام بهذه المفاهيم وما تحمله مضامينها من أفكار ورؤى ومزايا وعيوب في ظل أنظمة الحكم المعاصرة.
أولا أبدأ بمفهوم الإتحاد المستقل أو المتعاهد وهو ما يطلق عليه عادة اسم الكونفدرالية, ويتكون هذا الإتحاد الكونفيدرالى نتيجة لاتفاق دولتين أو أكثر بغرض التنسيق بينهما في مجالات محددة تخدم مصالح محددة لهذه الدول مع احتفاظ كل دولة من دول الإتحاد المستقل بسيادتها واستقلالها ولذلك تمت تسمية هذا الإتحاد بالإتحاد المستقل نتيجة لأنه يضم دولا مستقلة أو بمعنى آخر أن الدولة الأعضاء في هذا الإتحاد لا تفقد شخصيتها الدولية بانضمامها لهذا الإتحاد, ومن سمات الإتحاد الكونفيدرالى تمتع الدولة بكامل استقلالها أي أنه لا يؤثر في استقلال الدول المنضوية تحت عضويته حيث تتمتع الدول الداخلة فيه بكامل شخصيتها الدولية من تمثيل دبلوماسي وغيره من مظاهر السيادة الأخرى كما أن الإتحاد المستقل لا يتمتع في هذه الحالة بشخصية دولية أو يعتبر دولة تعلو شخصيتها على باقي الدول المكونة له أي بمعنى آخر أنه لا يترتب على قيام الإتحاد المستقل قيام شخصية دولية جديدة في الساحة الدولية كما أنه لا يعتبر دولة مركبة بل يعتبر عبارة عن إتحاد دول فقط لا غير, ويترتب على استقلال الدول الداخلة في إتحاد المستقل أنه إذا نشبت حرب بين دولتين من الدول الأعضاء في الإتحاد المستقل فإنها تعتبر حربا دولية ولا تعتبر حربا أهلية لأن هذه الحرب تصنف على أنها حرب نشبت بين دول مستقلة, كما أنه يترتب على استقلالية الدول الداخلة في إتحاد كونفدرالى أن يكون لها الحق في أن تنسحب من هذا الإتحاد متى ما رأت أن الانسحاب من هذا الإتحاد يصب في خانة تعزيز وحماية مصالحها, ويعتبر مواطني كل دولة من دول الإتحاد المستقل أيضا أجانب بالنسبة للدول الأخرى المكونة للإتحاد المستقل , أي أن دخول مواطني أي دولة تابعة للإتحاد المستقل لدول الإتحاد الأخرى يخضع للقواعد العامة التي تحكم دخول الأجانب لهذه الدولة, من هنا يتضح لنا أن دور الإتحاد المستقل يتحدد في المسائل والقضايا التي تحددها الدول المتعاهدة في هذا الإتحاد أي بمعنى آخر في الشؤون التي ترغب دول الإتحاد في تنسيق سياستها اتجاهها , وعند تكوين مثل هذا الإتحاد يتفق أعضاء الإتحاد المستقل على تشكيل هيئة تعمل على تسيير شؤون الإتحاد المتفق عليها والتي غالبا ما يطلق عليها اسم مؤتمر الإتحاد أو مجلس الإتحاد, كما تتخذ قرارات الإتحاد المستقل غالبا بالإجماع كما أنها لا تطبق إلا عبر حكومات دول الإتحاد الكونفدرالى التي تتولى تطبيقها حسب نظم الحكم المتبعة فيها أي أنه لا يمكن لمجلس الإتحاد المستقل تطبيق قراراته مباشرة على الدول المنضوية تحت عضويته, ومن ناحية أخرى يعمل الإتحاد المستقل على تغطية نفقاته المالية من اشتراكات الدول الداخلة تحت عضويته حيث أن الاتفاقية المكونة للإتحاد هي التي تحدد نفقات تسيير أعمال الإتحاد أما من ناحية التكييف القانوني فهناك من يرى من رجال الفقه أن للإتحاد المستقل شخصية دولية وآخرين يرون أنه ليست له أي شخصية دولية ولكن الشائع في الفقه المعاصر أن الإتحاد المستقل يفتقد لعنصر الشخصية الدولية لذلك اتصفت بالكونفدرالية دائما بضعف نموذجها كما إنها دائما توصف بصفة المرحلة الانتقالية التي إما أن تنتهي بتفكك الإتحاد وانقضائه كما حدث للإتحاد جمهوريات أمريكا الوسطى الذي قام في عام 1898 وانتهت نتيجة لانفصال هندوراس ونيكارجوا والسلفادور عنه على التوالي في تواريخ مختلفة, وأيضا كما حدث لميثاق الدول العربية المتحدة الذي قام بين الجمهورية العربية المتحدة واليمن في مارس من العام 1958 وانتهت في عام 1961, بيد أن في جانب آخر تحولت اتحادات استقلالية إلى اتحادات فدرالية ومن أشهر هذه الاتحادات الاستقلالية التي تحولت إلى نظم حكم مركزية فدرالية هي إتحاد الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السويسري الشيء الذي يقودنا إلى أن نفرد مساحة للتعرف على مفهوم الدولة الاتحادية في الفقرة التالية أدناه.
تعرف الدولة الاتحادية أو الفدرالية على أنها إتحاد يضم عدد من الدول أو الولايات في شكل إتحاد مركزي يطلق عليه عادة اسم دولة الإتحاد, حيث تختص هذه الدولة الاتحادية بإدارة كل الشؤون الخارجية وبعض الشؤون الداخلية لدول أو ولايات الإتحاد, إذن دولة الإتحاد بهذا المعنى هي دولة فوق كل الدول المكونة لها حيث تتمتع دولة الإتحاد المركزي بشكل مطلق في إدارة كافة الشؤون الخارجية لدول أو ولايات الإتحاد وبعض الشؤون الداخلية لها وفق شروط وقواعد وإجراءات خاصة يتم تحديدها ومن ثم إتباعها, وعامل تمتع الدولة الفيدرالية بإدارة كافة الشؤون الخارجية وبعض الشؤون الداخلية هو العامل الذي يميز الدول الاتحادية عن غيرها من اتحادات الدول الأخرى, ويرى العديد من الفقهاء أن الإتحاد المركزي الفيدرالي ينتج نتيجة لعاملين هما إما أن تصاب دولة كبيرة بالتفتت إلى دويلات صغيرة حيث ترى كل دولة من هذه الدويلات المتفتتة أن من مصلحتها أن تحتفظ باستقلالها الداخلي وأن تعهد لدولة أكبر (دولة الإتحاد) بتولي إدارة شؤونها الخارجية, أو يقوم هذا الإتحاد نتيجة لرغبة عدد من الدول أو الولايات المستقلة في إنشاء إتحاد مركزي كونفيدرالى يحافظ على مظاهر استقلالها الداخلي ويتولى توحيد سياستها الخارجية, حيث يترتب على ذلك قيام دولة الإتحاد المركزي (الفيدرالي) حيث أنها تعتبر دولة أعلى من كل الدول المكونة للإتحاد حيث تتمتع هذه الدولة وحدها بالشخصية القانونية الدولية وتعتبر دولة الإتحاد دولة بالمعنى الفني الدقيق على المستوى الدولي والمستوى الداخلي, حيث تندمج كل أقاليم الدول أو الولايات التابعة لدولة الإتحاد لتصبح إقليما واحدا, وتتعامل دولة الإتحاد المركزي مع كافة مكونات المنتظم الدولي على أنها الشخصية القانونية الممثلة لجميع الدول المكونة لها, وتتمتع دولة الإتحاد المركزي أو ما يطلق عليها دائما اسم الدولة الفيدرالية بهيئة تشريعية فيدرالية تتولى التشريع على المستوى الفيدرالي كما تتمتع بهيئات إدارية وتنفيذية اتحادية كما إنها تقيم سلطة قضائية فيدرالية تمارس أعمالها في مجال النشاطات الفدرالية, كما ينبغي أن نشير هنا أيضا أن لكل ولاية أو دولة من دول الإتحاد المركزي (الفيدرالي) لها شخصيتها المستقلة عن باقي دول أو ولايات الإتحاد ودولة الإتحاد المركزي, أي أن يكون لها دستور وجمعية تشريعية وسلطة تنفيذية وقضائية حيث لا يعنى ذلك أن تكون لها شخصية قانونية دولية لأن الإتحاد المركزي يلغى الشخصية الدولية للدول المنضوية تحت عضويته, ويتضح من ذلك أن دولة الإتحاد المركزي تتمتع بخصائص وحدوية وخصائص أخرى استقلالية تؤكد على حق الاستقلال الداخلي لكل المكونات الداخلة في عضويته وفق إجراءات وقواعد تنظم هذه الخصائص, ومن مظاهر الوحدة في المجال الخارجي للدولة الاتحادية وحدة الشخصية القانونية في المجال الدولي ووحدة إقليم الدولة الفيدرالية ووحدة الجنسية, أما مظاهر الوحدة على المستوى الداخلي في الدولة الفيدرالية فتتركز في وحدة الدستور الإتحاد والجهاز التشريعي والتنفيذي والقضائي الفيدرالي, ويعتبر النظام الفيدرالي أو نظام الإتحاد المركزي من أنسب نظم الحكم للدول الكبيرة المساحة والتي تعيش فيها شعوب وثنيات وأعراق متعددة ترغب في الاستفادة من إيجابيات الإتحاد مع احتفاظها باستقلالها الداخلي, وعليه في عالمنا المعاصر عالم التكتلات والتجمعات الكبيرة نجد أن الدول الصغيرة والضعيفة تنزع نحو البحث عن وسيلة تضمن لها البقاء وسط هذه التكتلات الكبيرة أي بمعنى آخر إنها تنزع نحو البحث عن اندماج يحقق لها استقلالها الداخلي ويحقق لها مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية, ونظام الإتحاد المركزي (الفيدرالية) هو ذلك النظام الذي يحقق هذه المعادلة التي تبحث عنها الدول التي تحتاج للاندماج من أجل تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية في ظل التكتلات الكبيرة الأخرى التي تنزع نحو تحقيق مصالحها على حساب الدول الضعيفة والصغيرة, حيث أن نظام الحكم الفيدرالي يعمل على تحقيق القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لأعضائه بالرغم من عدم تجانس شعوبه وهذه ميزة من المميزات الجوهرية للنظام الفيدرالي ومن الأمثلة المعاصرة الدالة على تحقيق القوة عبر الإتحاد المركزي الفيدرالي نموذج الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوربي والإتحاد الإفريقي الذي بدأ يخطو خطوات جادة نحو تحقيق القوة عبر نموذج الإتحاد المركزي ليشكل قوة عالمية تعمل على تحقيق طموحات الدول الإفريقية المنضوية تحت عضويته.
