Thursday, 19 May 2011

لا تسامح في أمن الخليج العربي

أمن الخليج العربي ليس خطا أحمر، بل جدران حمر، ذلك بالنسبة للغرب كله، بل حتى روسيا، والصين، فيما يشكل أمن الخليج حجر الزاوية في أمن العالم العربي، ليس ذلك سرا، لأن الخليج يختزن ثروات نفطية هائلة، بحيث تشكل نسبة عالية من مصادر هذه الطاقة، وأي تخطيط استراتيجي لدول الغرب على الصعيد التكنولوجي والعلمي والاقتصادي يعتمد في درجة فائقة على مدى سلامة هذا المصدر، أي النفط الخليجي، سواء على مستوى المادة بحد ذاتها، أو مستوى تكريرها واستخراجها ووصولها وسعرها، فالعالم يُصنع من هنا، من الخليج، لأن مادة العالم في الخليج، ليس حصرا بطبيعة الحال، ولكن بموديات واسعة جدا، و بالتالي، مستقبل العالم يتقرر في الخريج العربي، هل يمكن الاستغناء عن نقط الخليج؟ السؤال ليس للمفاخرة أو التباهي أو الاختبار، وإنما لإمكان تصور عالم غربي يمتلك كل هذا الجبروت الحضاري والمدني والتكنولوجي والعلمي بلا نفط   !

أمن الخليج العربي في عرف السياسة الغربية ليس أمنا عسكريا وحسب، بل يحرص الغرب على أمن الخليج عسكريا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، لان الأمن في هذه المنطقة، وكما هو منطق الأمن الحقيقي وحدة لا تتجزأ، كل مركب، وأي خلل بهذا المركب ربما ينعكس على المركب كله، ولذلك من السذاجة أن نتصور إن الغرب يفكر بأمن الخليج عسكريا وحسب،الغرب يملك إحصائيات كاملة عما يجري في هذا الخليج، من جرائم، من وقائع سياسية، يرقب تطور المنطقة بدقة، يرصد الحركات الفكرية والدينية فيها، يلاحظ ويدقق بمستويات التحصيل العلمي كما وكيفا في المنطقة، يلاحق الإعلام بالتفاصيل، لا شاردة ولا واردة دون رصد ودراسة وتمحيص ومقارنة، ولذلك مراكز تخصصية، ومؤسسات بحثية من الدرجة الراقية ذلك أن العالم الغربي يُصنع  هنا، أو يصنع بعضه هنا، فكيف لا يكون الخليج جدران حمر بالنسبة للغرب.

المساعدات الخليجية لمصر والمغرب والجزائر ولبنان وسوريا  واليمن وغيرها ليست بسيطة، ليست عابرة، ليست مساعدات على الهامش، كلنا يتذكر مشروع المجهود الحربي الذي اضطلعت به قطر، ذلك المشروع الذي أعاد تسليح الجيش المصري عندما تحطم تحطيما شبه نهائي في حرب 67، وكلنا يتذكر مشروع سد مأرب في اليمن، وكلنا يتذكر القرى العربية في الجولان، وغيرها وغيرها، هذه المساعدات تشكل حافزا قويا لدى هذه الأنظمة والحكومات وربما الشعوب للاهتمام بأمن الخليج العربي، إنه مصدر رزق، مصدر إغاثة، مصدر تموين، أحزاب كثيرة، يمونها نفط الخليج، بصرف النظر عن هوية هذه الأحزاب، وبصرف النظر عن طبيعة هذه المساعدات والغاية منها والهدف البعيد المترتب عليها، هذه الأحزاب لا يمكن أن تتساهل في أمن الخليج العربي.

ولكن هل هذا يكفي؟ 

الأمن في الفكر السياسي الحديث لا يعتمد على أجندة عسكرية ومخابرا تيه ولوجستية وحسب، بل يعتمد أيضا وبشكل كبير وجوهري مقتربات من نوع آخر، مهما كان اهتمام الغرب و الشرق بأمن الخليج يبقى هذا الأمن محتاجا إلى مقتربات داخلية، تتصل بالنظام الاجتماعي، ومن أبرز هذه المقتربات الحرية والعدل والمساواة قدر المستطاع، لقد أثبتت ا لتجربة ذلك.

من هنا تتجه أنظار كثير من المحللين السياسيين إلى تصريح ملك البحرين قبل أيام، فقد صرح بضرورة الإصلاح، وأكد بان الإصلاح مهمة الجميع، أي ليس مهمة الحكومة وحدها، بل مهمة كل شعب البحرين، إنها بادرة بحرينية مهمة، لأنها بادرة تنطلق من تقدير واع ومقنع لمعنى الأمن، وجوهر الاستقرار، ولا يستبعد مراقبون إنها بداية مشرقة بالأمل سوف تجد صداها في ربوع الخليج العربي.
 غالب حسن الشابندر   




قصيدة جاهلية مليئة بالحكمة السياسية

هذه قصيدة للشاعر العربي الكبير الأفوه الأودي الجاهلي ! ... وقد اكتشف فيها سر خراب قومه فوضع تلك القصيدة المليئة بالحكمة السياسية ... 

فينا مَعاشِـرُ لـم يَبْنُـوا لقومِهـمُ ..................وإنْ بَنى قومُهُمْ ما أَفْسَـدوا عـادُوا 
لا يَرْشُدون ولن يَرْعَـوا لِمُرْشِدِهـمْ................فالغَي منهُمْ معـاً والجَهْـلُ ميعـادُ 
والبيـتُ لا يُبْتَنَـى إلا لـهُ عَمَـدٌ......................ولا عِمـادَ إذا لـمْ تُـرْسَ أَوْتـادُ 
فـإنْ تجمـعَ أَوتــادٌ وأَعـمـدَةٌ.....................وساكنُ بلغوا الأمرَ الـذي كـادوا 
لا يَصْلُحُ الناسُ فَوضَى لا سَراةَ لَهُمْ................ولا سَـراةَ إذا جُهالُهُـمْ ســادُوا 
تُلفَى الأمورُ بأهلِ الرشْدِ ما صَلَحَت.................ْفـإنْ تَوَلـوْا فبالأَشْـرارِ تَنْـقـادُ 
إذا تَولـى سَـراةُ القـومِ أَمْرَهُـمُ..................نَما على ذاك أَمْرُ القـومِ فـازْدادُوا 
أمارةُ الغَي أنْ تَلقَى الجميعَ لدى ال............. إبـرامِ للأمـرِ، والأذنـابُ أكتـادُ 
كيفَ الرشادُ إذا ما كنتَ فـي نَفَـر................ٍلهُمْ عنِ الرشْـدِ أَغْـلالٌ وأَقيـادُ؟ 
أَعطَوْا غُواتَهَـمُ جَهْـلاً مَقادَتَهُـمْ....................فكلهُـمْ فـي حبـالِ الغَـي مُنْقـادُ 
حانَ الرحيلُ الى قـومٍ وإنْ بَعُـدوا..................فيهِـمْ صَـلاحٌ لِمُرْتـادٍ وإرْشـادُ 
فسوفَ أجعَلُ بُعْـدَ الأرضِ دونَكُـمُ................وإنْ دنَـتْ رَحِـمٌ منكُـمْ ومِيـلادُ 
إن النجاةَ إذا مـا كنـتَ ذا بَصَـرٍ....................مِـن أجـةِ الغَـي إبعـادٌ فإبعـادُ


و البيت لا يبتنى الا وله عمد ...... ولا عماد اذا لم ترس أوتاد 

و نحن إذ نعلن إعجابنا بهذا البيت ، وتتراءى لنا أفكار ، كيف نستلهم من هذا البيت المليء بالحكمة ، حكمة نستفيد منها في أيامنا ؟ ..

لا شك أن شاعرنا بدوي الحياة ، لم يكن لينظم تلك القصيدة في دولة مترامية الأطراف ولم يكن لديه مؤسسات المجتمع المدني .. ولم يكن حتى لديه وازع ديني يحضر في أذهان المفكرين عندما يناقشوا وضعا سياسيا ما كما في أيامنا .. بل كان يتكلم عن بيت شعر كناية لسلطة العشيرة أو القبيلة ، أو الحلف العشائري في أحسن الأحوال ..

ولو أردنا إسقاط الحكمة المستنبطة من البيت على واقعنا الحالي ، لدخلنا بإشكالية عدد الأعمدة .. وهل هناك عمود أهم من الأعمدة الأخرى ؟ .. فلو طلبنا من مفكر سياسي ذو خلفية دينية كم عمود تقترح لمواضعة بيت الشعر السابق مع واقعنا ؟ لأجاب بسرعة البرق أن لا عمود سوى عمود الدين ..

ولو طرحنا السؤال على مثقف سياسي يؤمن بعصرية الحياة السياسية ، لأجاب بتردد : ليكن عدد الأعمدة أربع أو خمس أعمدة .. عمود السلطة التشريعية .. وعمود السلطة القضائية وعمود السلطة التنفيذية .. وعمود السلطة الصحافية ، ويصمت قليلا ليضيف لنضع عمودا للسلطة الدينية .. وقد قالها للمصالحة مع منتقدي مثل هذا الطرح الذي يصفه البعض بالعلمانية ..

وهنا تطرح أسئلة .. و أين دور النقابات .. و أين دور الأحزاب ؟ و أين دور الأقليات القومية أو القوميات ، و أين دور الأقاليم ؟ .. هل نعتبرها أوتاد تمسك انتصاب الأعمدة .. ليكن ذلك ..

لكن كيف البدء بإجراء أي اقتراح ؟ .. هل نفيق باكرا .. وكل منا قد استلم ورقة كتب عليها ما هو مطلوب ؟ ليبدأ بالسير في حياته وفق منهج منظم .. يعبر عن الإرادة الجماعية ؟ الجواب بالتأكيد : لا يمكن حدوث ذلك بصدفة محضة ..

لنقترح مصطلح نطلق عليه الإرادة الراهنة .. يصف حالة التغيرات السياسية ، حيث لا يعقل أن تبدأ دولة ما حياتها السياسية بعد أي تغيير منذ أن بدأت الإنسانية حياتها السياسية .. بل تصطنع وضعا يتلاءم مع قدرتها كقوة مغيرة ومسيطرة في ظرف راهن ، ومع ما وجدته من أجهزة من صنع من سبقها .. حيث تتدرج بتنقية أو تدريب تلك الأجهزة على القبول بالتغيير ..

إن الإرادة الراهنة عادة هي من يقترح عدد الأعمدة وشكلها ، وأي تلك الأعمدة هو الأهم وهو الأساس .. وعلى أمل أن يكون هذا العمود صالحا ، أو منخورا آيلا للسقوط ..