رغم أهمية الدين القصوى، فإنه يبدوفي وضع يتميز بالالتباس، نتيجة المتغيرات الحضارية والفكرية الحديثة؛ حيث يجد الإنسان المعاصر نفسه بين حجري رحى ، يتمثلان في تيارين متعصبين أصبح لهما السيادة في الجدل الجاري على مختلف الساحات، أعنى تيار التطرف العلماني وتيار التطرف الديني، إذ يتصرف التيار الأول وكأن الله غير موجود! بينما يتصرف التيار الثاني وكأن الإنسان غير موجود! بمعنى أنه ينزع من الإنسان كل فاعلياته ومسؤولياته ومواهبه. التيار الأول جعل إلهه المال والقوة والرفاه الاجتماعي، والتيار الثاني يفهم تعاليم الله على أنها تعاليم شكلية حرفية تتعلق بالظواهر أكثر مما تتعلق بالبواطن، ومن ثم حولها من تعاليم للروح والجسد معًا إلى تعاليم للجسد فقط!
وكلا التيارين – رغم تعارضهما – يشتركان دون أن يعيا ذلك في مجموعة من السمات التي تجعل الصراع بينهما صراعًا عقيمًا، هي: الاستئثار بالحقيقة، نفي الآخر، قصور البصر والبصيرة، ثقافة التسلط، ثقافة التآمر ، الانغلاق على نظام قيم معين بصورة جامدة، ثقافة التبرير، عدم الرغبة في فتح قنوات للحوار، وعدم البحث عن الأرضية المشتركة. وهذه كلها سمات الدوجماطيقية.
وإزاء هذا الوضع المزدوج، والذي يطرح حلين كلاهما «متطرف» تجد الإنسان المعاصر حائرًا في الاختيار.. ربما ترجع هذه الحيرة من بين ما ترجع إلى عدم تبين المنشأ الفلسفي للتطرف عامة سواء كان تطرفًا دينيًا أم غير ديني. وفي ظني يكمن المنشأ الفلسفي للتطرف في طبيعة منهج التفكير، فالعقل المتطرف عقل مغلق على نفسه، ومن ثم من المستحيل أن يرى غير أفكاره هو، ويعتبرها قطعية لا تقبل المناقشة، ومؤكدة بشكل نهائي! ويرجع هذا بدوره إلى الطابع الدوجماطيقي الذي يميز منهجية التفكير.
فأي متطرف في الدين أو الفكر أو السياسة دوجماطيقي بلغة الفلسفة. والدوجماطيقية تعريب لكلمة Dogmatism، ولها ترجمات عديدة، مثل: وثوقية، قطعية، توكيدية، إيقانية متطرفة.
الدوجماطيقية وامتلاك الحقيقة المطلقة!
ليست الدوجماطيقية تيارًا فلسفيًا أو دينيًا ، وإنما هي –في أكثر معانيها انتشارًا- سمة تتسم بها كل فرقة أو مذهب أو فلسفة تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة بشكل شامل، ولا تقر بأنها قد تحتمل شيئًا من الخطأ أو النقص، وتقطع بأن ما تحوزه من معارف ومعتقدات لا يقبل النقاش ولا التغيير، حتى وإن تغيرت الظروف التاريخية، فهي مقدسة ومنزهة عن أي نقد،رغم أن هذه المعتقدات والآراء غير مبرهن عليها ببراهين قاطعة من العقل أو الواقع، ورغم عدم التمهيد لهذه المعتقدات بفحص نقدي تحليلي للأسس التي تقوم عليها، ودون بحث في حدود وقدرات العقل المعرفية، فضلًا عن عدم تمحيص الطرق التي توصل إلى المعرفة الصحيحة.
ولم يعد لمعظم الفلسفات الدوجماطيقية من وجود إلا في بطون الكتب والدراسات، وبعضها له جمعيات علمية في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، ولهذه الجمعيات نشاط نظري ملحوظ لا سيما على شبكة الإنترنت. غير أن الأصولية الماركسية لا تزال موجودة نظريًا وعمليًا وسياسيًا في روسيا من خلال الحزب الشيوعي.
لكن من ناحية أخرى فإن الدوجماطيقية كسمة تظهر بوضوح في بعض المواقف الغربية التي تتخذ موقفًا معاديًا من الحضارات الأخرى وتزعم أن نموذجها الحضاري هو النموذج الأمثل بشكل مطلق! ولذا فهي تعمل جاهدة على تعميم هذا النموذج من خلال العولمة وترسيخ مفهوم صراع الحضارات، التي تنظر فيه إلى حضارتها كممثلة للمدنية أما الحضارات الأخرى فهي بدائية!
ومن غير الخفي أن الدوجماطيقية موقف وسمة تتحلى بها كثير من المذاهب الأيديولوجية والفلسفية والدينية الموجودة على الساحة في كل بلدان العالم .
1. الدوجماطيقية حيلة فكرية مخاتلة:
إن الدوجماطيقية حيلة فكرية سلبية مخاتلة؛ لأنها تنطوي على موقف منغلق غير قائم على التفكير البرهاني، ومع ذلك يتحدث الدوجماطيقيون كما لو كان موقفهم قائمًا على براهين محكمة ونهائية! ولذا فالدوجماطيقية جامدة تعاند التطور والتجديد ومراعاة الظروف وتغير الأحوال،ولا تقبل النقاش ولا التغيير، حتى وإن تغيرت الظروف التاريخية، فهي مقدسة ومنزهة عن أي نقد.
وهذه الدوجماطيقية يرفضها كثير من علماء أصول الفقه الإسلامي الذين يراعون في تفكيرهم المصالح المرسلة، والضرورات، والاستحسان، وظروف العصر. طبعًا في إطار النصوص ظنية الدلالة وليست القطعية الدلالة،حيث إن الأخيرة قواعد عامة ومطلقة تصلح لكل زمان ومكان.
ومن أكبر النماذج الفقهية الممثلة لمكافحة ورفض الدوجماطيقية المنغلقة الإمام الشافعي الذي اختلف مذهبه الفقهي في مصر عن مذهبه القديم في العراق، ومن بين أسباب هذا الاختلاف مراعاة ظروف الزمان والمكان، طبعا-مرة أخرى- في إطار النصوص ظنية الدلالة.
لكن من جهة أخرى يتسم بعض علماء أصول الفقه بهذه السمة الدوجماطيقية، حيث يرفضون مراعاة ظروف المكان والزمان، ولا يأخذون بالمصالح المرسلة والاستحسان وغيرهما. كما نجد الدوجماطيقية عند بعض التيارات المتعصبة في علم الكلام وأصول الدين حيث يعولون على قدرة العقل التي يزعمون مطلقيته، ويعطونها الحق في تناول الصفات الإلهية! أو الذين يفهمون آيات الصفات فهما تشبيهيًا أو تجسيميًا استنادًا للفهم الظاهري لبعض النصوص.
ومن ناحية أخرى فإن من الخطأ الزعم بأن أي تعاليم بشرية هي مبادئ وقواعد مطلقة تصلح لكل زمان ومكان. فالبشر ذوو عقول نسبية متغيرة، ومن ثم فإن على الإنسان أن يسعى لمعرفة الحقيقة بالبحث في الكون، وفي النفس،وفي كلام الله المنزل.ولا شك أن ثمة فرقًا بين التعاليم البشرية المستندة إلى الوحي الإلهي والكون والواقع وبين التعاليم البشرية المجردة المبنية على الأهواء أو المبنية على الكتب المقدسة التي ثبت تحريفها.
ومما يعارض طبيعة التفكير العلمي وسنن الواقع زعم الأصولية الماركسية أن تعاليم ماركس وإنجلز ولينين إنما هي مبادئ وقواعد مطلقة تصلح لكل زمان ومكان! فقد أثبتت التجارب فشل الماركسية الذريع حتى في مواءمة ظروف العصر الذي نشأت فيه : النصف الثاني من القرن 19 ، والنصف الأول من القرن العشرين.
وذلك في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية،بل وفي بعض البلدان العربية.فما بالنا بالفشل الذي ستمنى به لو طبقت في عصور أخرى!
أما «الشكية المذهبية» التي تزعم بشكل يقيني-وهنا المفارقة- أن المعرفة غير ممكنة مطلقًا، فهي دوجماطيقية سلبية،أي هي القفاز نفسه ولكنه مقلوب.
وبطبيعة الحال فإن «الشكية المنهجية» غير «الشكية المذهبية»، فالشكية المنهجية هي مجرد خطوة في عملية التفكير نحو المعرفة المضبوطة، مثلما فعل إبراهيم عليه السلام مع عقائد قومه في الكواكب والنجوم، فقد شك فيها وفق مراحل ذكرتها سورة الأنعام (فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكوننّ من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين ) الأنعام: (76- 79).
ومثل هذه الشكية المنهجية ليست دوجماطيقية على الإطلاق على العكس من الشكية المذهبية التي تجزم بشكل يقيني دوجماطيقي بأن المعرفة غير ممكنة مطلقًا!
أما القرآن فيؤكد إمكانية المعرفة ووجود معايير للمعرفة الحقة، وينتقد الأساليب الزائفة غير البرهانية، ويدعو للمعرفة التجريبية المبنية على النظر في الكون والآفاق والنفس، وغير ذلك من الأساليب التي توصل للمعرفة المضبوطة.
ويرفض القرآن بوضوح التسليم بأقوال السابقين دون الاستناد إلى براهين يقينية،فقال تعالى (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون) البقرة:170 . وهذا أمر مستهجن وضد مبادئ العقل المنطقي وضد البداهة. لأن المعتقدات ينبغي أن تؤسس على براهين وليس على سلطة الرجال، ولذا قال الإمام علي: ((إن الحق لا يعرف بالرجال)).
ومن ثم انتبذ الطريقة الدوجماطيقية في التفكير التي تقوم على التسليم دون تمحيص، مثلما انتبذ –من جهة أخرى-الشك المذهبي المطلق لكونه غير مؤسس على برهان ولما تترتب عليه من آثار نفسية وحضارية مدمرة.
والموقف الفلسفي الإسلامي الأمثل هو الموقف النقدي الذي ينقد العقل لبيان قدراته وحدوده والشروط التي تحكم عمله وتبين ما الذي يستطيع العقل أن يعرفه، وما الذي لا يستطيع أن يعرفه، وما الطريقة المنضبطة التي يتوصل بها العقل إلى المعارف، فالعقل المنضبط بمعايير البرهنة والاستدلال العلمي له دور لا ينكر في عملية المعرفة بالواقع وفي الاستدلال على وجود الله تعالى، لكنه غير قادر على معرفة الغيب. مع الإقرار بنسبية العقل البشري وتطوره بتطور العلم والمعارف، ومن ثم انتباذ الجمود الأيديولوجي النظري الذي تتسم به الدوجماطيقية التي تعارض التنوع والحوار والتجديد والارتقاء وسنن التغير.
2. الأقدام الفخارية للدوجماطيقي:
تتنوع أصول ومبادئ الدوجماطيقية بتنوع صورها وأشكالها. وهي لا تعدو أن تكون أقدامًا فخارية لقصر من الرمال، وتتمثل فيما يلي:
٭ اليقين المطلق دون براهين كافية:
الأصل الأول لكل دوجماطيقية هو اليقين المطلق التي تتسم به بعض المعتقدات اعتمادًا على التسليم دون الاستناد إلى براهين يقينية، ودون تمحيص أو تمهيد نقدي للأسس التي تقوم عليها.
٭ قدرة العقل المطلقة:
٭ قدرة العقل المطلقة:
من أشكال الدوجماطيقية ذلك الاتجاه الذي يعتمد على الإيمان المطلق بقدرة العقل، فـ «يذهب إلى إثبات قيمة العقل وقدرته على المعرفة وإمكان الوصول إلى اليقين، وإذا كان مذهب الشك يوصي بالامتناع عن إثبات الحقائق أو نفيها،فإن الدوجماطيقية ترى أن العلم الإنساني لا يقف عند حد، وتؤكد قدرة العقل على المعرفة والتوصل إلى اليقين. وقد سارت هذه النزعة في فلسفة العقليين إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر، ونحا نحوها التجريبيون الذين أكدوا إمكان المعرفة عن طريق التجربة
ولذا فهي ضد الشكية حسب هذا الشكل الذي يذكره المجمع.
ولذا فهي ضد الشكية حسب هذا الشكل الذي يذكره المجمع.
لكن من جهة أخرى حسب وجهة نظرنا فإن الملحدين والمنكرين للعقائد الدينية دوجماطيقيون كذلك لأن موقفهم العقلي يستند إلى يقين مطلق وثقة كاملة في صحة موقفهم وتصوراتهم وفي جزمهم بعدم وجود الله ! يا لها من سذاجة!
وللدوجماطيقية العقلية أشكال ساذجة،مثل:«الدوجماطيقية الساذجة التي نلتقي بها عند رجل الشارع، فرجل الشارع متعصب لآرائه إلى أبعد الحدود ،لا يقبل أن يناقش آراءه ومعتقداته أحد، يعتقد في ذكائه المفرط وقدرته الخارقة على معالجة الأمور.
٭افتقاد الروح النقدية:
من الأصول التي تستند إليها كل الدوجماطيقيات افتقاد الروح النقدية. ومن هذه الزاوية تعد الدوجماطيقية مقابلًا للنقدية. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه كنط في كتابه «نقد العقل المحض» عندما قال:«لا يتعارض النقد مع الطريقة الدوجماطيقية للعقل في معرفته المجردة من حيث كونها علمًا، لأنه يجب على العلم أن يكون دوجماطيقيًا دومًا،أي أن ينشئ براهين حاسمة استنادًا إلى مبادئ قبلية، ولكن النقد يعارض الدوجماطيقية،أي الادعاء بإمكانية التقدم إلى الأمام بواسطة معرفة مجردة مستنبطة من مفاهيم مجردة(المعرفة الفلسفية) ومستندة إلى مبادئ مثل تلك التي يستخدمها العقل منذ أمد بعيد،بلا بحث عن كيفية توصله إلى إقرارها ولاعن مدى حقه في إقرارها.فالدوجماطيقة هي الطريقة الدوجماطيقية للعقل المجرد بلا نقد سابق لقدرته الخاصة.
ونجد في هذا النص أن الدوجماطيقية لها استخدمان:
أولهما: إنشاء البراهين العلمية القاطعة المستندة إلى مبادئ قبلية أي مبادئ عقلية أولية وضرورية غير مستمدة من التجربة، فهي قبل أي تجربة.
وهذا المعنى للدوجماطيقية غير متعارض مع النقدية، والنقدية هي الفلسفة التي تهتم بنقد العقل لبيان قدراته وحدوده والشروط التي تحكم عمله وتبين ما الذي يستطيع أن يعرفه وما الذي لا يستطيع أن يعرفه.
ثانيهما: التوصل إلى معارف ميتافيزيقية (أي معارف تتعلق بما بعد الطبيعة)، دون نقد سابق لقدرات العقل وبيان حدوده المعرفية، ودون بيان للكيفية التي توصل بها العقل إلى هذه المعارف الميتافيزيقية، ودون بيان وجه الحق الذي استند إليه العقل في إقراره لهذه المعارف. وهذه هي الطريقة الخاطئة للدوجماطيقية التي كان يستخدمها الفلاسفة الميتافيزيقيون حتى زمن كنط، أي حتى القرن الثامن عشر،مثل أفلاطون، وأوغسطين، وديكارت، وليبنتز وفولف،وغيرهم.
ثانيهما: التوصل إلى معارف ميتافيزيقية (أي معارف تتعلق بما بعد الطبيعة)، دون نقد سابق لقدرات العقل وبيان حدوده المعرفية، ودون بيان للكيفية التي توصل بها العقل إلى هذه المعارف الميتافيزيقية، ودون بيان وجه الحق الذي استند إليه العقل في إقراره لهذه المعارف. وهذه هي الطريقة الخاطئة للدوجماطيقية التي كان يستخدمها الفلاسفة الميتافيزيقيون حتى زمن كنط، أي حتى القرن الثامن عشر،مثل أفلاطون، وأوغسطين، وديكارت، وليبنتز وفولف،وغيرهم.
وبهذا المعنى الثاني تعارض الدوجماطيقية الفلسفة النقدية. وفي أحيان أخرى يستخدم كنط الدوجماطيقية كمعارض للشكية في معرض الحديث عن مصادر وطبيعة المعرفة.
٭ سلطة الآباء أو الأجداد أو المفكرين أو العلماء أو غيرهم من أصحاب النفوذ:
يتجلى هذا الأصل في طريقة البعض في تأكيد معتقداته عن طريق دعمها بسلطة الآباء أو الأجداد أو المفكرين أو العلماء أو غيرهم من أصحاب النفوذ، وهذه هي طريقة الذين يقولون إن الحق يعرف بالرجال! وبهذا المعنى تكون الدوجماطيقية «نظرية تقرها السلطة الدينية، ويلتزم بها الأعضاء الواقعون تحت هذا السلطان، دون تمحيص أو برهان كاف.
وهذا الشكل ذكره القرآن الكريم وانتقده عندما ذكر حجة الكافرين والمشركين في الدفاع عن عقائدهم الباطلة،فقال تعالى: ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون) البقرة:170 .
فتظهر هنا طريقة الكافرين الدوجماطيقية في تأكيد معتقداتهم بسلطة الآباء دون برهان عقلي ودون اهتداء إلى طريقة التفكير السليم. ولذا فالدوجماطيقية هنا هي «حيلة فكرية مخاتلة قائمة على تأكيد المرء لمعتقداته بأمر وسلطان، ودون القبول بأنها قد تحتمل شيئا من النقص أو الخطأ.
وهكذا نجد أن كثيرًا من المدارس الفلسفية والفلاسفة الأفراد الذين تتسم مواقفهم بإحدى سمات الدوجماطيقية، أو الذين تشتمل مذاهبهم على أصل أو أكثر من أصول الدوجماطيقية، ومن ثم تتخذ فلسفاتهم شكلًا أو أكثر من أشكال الدوجماطيقية المذكورة آنفًا. ومن المتعذر إحصاء الفلسفات والمذاهب الدوجماطيقية، خاصة أن الدوجماطيقية سمة وليست مذهبا دينيًا أو عقليًا محددًا،بل هي سمة سارية في معظم المذاهب، ولو عددناها لبلغت العشرات!كما لو عددنا رجالها لبلغوا المئات إن لم يكن الآلاف!
وهذا ما يرفضه القرآن الكريم، لأن المعتقدات ينبغي أن تؤسس على براهين وليس على سلطة الرجال، ولذا قال الإمام علي رضي الله عنه: «إن الحق لا يعرف بالرجال». ومن ثم انتبذ الطريقة الدوجماطيقية في التفكير التي تقوم على التسليم دون تمحيص.
3. الدوجماطيقية في التاريخ:
نشأت الدوجماطيقية منذ بدأ الإنسان يزعم أنه قادر على معرفة الحقيقة المطلقة، وفي نطاق الفلسفة يمكن القول إن أكثر المذاهب تمثيلًا للدوجماطيقية هي معظم الفلسفات القديمة،ومن المتعذر الحديث عن مضمون هذه الفلسفات في هذا السياق لأن الدوجماطيقية ليست مضمونًا بقدر ما هي سمة وموقف يزعم امتلاك الحقائق اليقينية المطلقة. وتعد فلسفات بارمنيدس، وأفلاطون، وأرسطو، والمدرسة الأفلوطينية الجديدة - نماذج للفلسفة الدوجماطيقية بامتياز. وقد ترك لنا بارمنيدس قصيدة «في الطبيعة» التي يذكر فيها ما يعتقد أنه الحقيقة المطلقة على نحو دوجماطيقي يقيني.أما أفلاطون فمحاوراته تحمل اعتقادًا دوجماطيقيًا بعالم المثل وبتصورات دوجماطيقية لطبيعة الكون والحياة والإنسان وشؤون السياسة والاجتماع البشري. ومن هذه المحاورات «محاورة الجمهورية» و «فيدون» و«مينون» و«القوانين» إلخ. ونجد الطابع الدوجماطيقي في ميتافيزيقا أرسطو لا سيما في كتابه «الميتافيزيقا». والحال نفسه في أعمال أفلوطين(11) لكن مع مزيد من الدوجماطيقية المفرطة لا سيما في كتابه «التاسوعات». وفي العصور الوسطى معظم الفلاسفة المدرسيين وعلماء اللاهوت، مثل أوغسطين وأنسلم وتوما الأكويني.
أما في العصور الحديثة فقد اعتبر الفيلسوف الألماني الفلسفات العقلية من أول ديكارتحتى فولف فلسفات دوجماطيقية، مرورًا ببسكال ومالبرانش واسبينوزا وليبنتز. ومن الفلسفات الدوجماطيقية كذلك الفلسفات العقلية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مثل فلسفة ديكارت وبسكال، ومالبرانش، واسبينوزا، وليبنتز، وفولف. وقد اعتبر أن فولف هو أكبر الفلاسفة الدوجماطيقيين جميعا لأنه لم يمهد طريق العلم بواسطة نقد العقل وبيان حدوده وقدراته. ويعتبر أن دوجماطيقية فولف تشتمل على نقص لا يمكن أن ينسب إليه وحده لأنه ينسب كذلك إلى طريقة التفكير الدوجماطيقية الذائعة في عصره. وكرستيان فون فولف C.V.Wolff: فيلسوف ألماني ولد سنة 1679م. ومات 1754م. وله فضل على اللغة الفلسفية الألمانية، وكان تلميذ ليبنتز. ومن مؤلفاته «الفلسفة الأولى أو الانطولوجيا» و« الكوسمولوجيا العامة» و «علم النفس التجريبي» و«اللاهوت الطبيعي» وغيرها. وبعد فولف نجد فلسفة هيجل في القرن التاسع عشر، حيث زعمت امتلاك الحقيقة المطلقة وفسرت كل شيء بطريقة دوجماطيقية شاملة، واعتبرت نفسها الفلسفة المطلقة التي حازت كل معرفة بالحقيقة. ويمكن القول إن أكبر فلسفة اتسمت بالدوجماطيقية في العصر الحديث هي فلسفة هيجل.
ومن أكبر الممثلين للدوجماطيقية في القرن العشرين الأصولية الماركسية التي تزعم أن تعاليم ماركس ولينين هي مبادئ وقواعد مطلقة تصلح لكل زمان ومكان. والأصولية الماركسية تتسم بالجمود الأيديولوجي النظري وهي سمة أي مذهب دوجماطيقي يرفض التجديد.
وفي الفلسفة المعاصرة، فإن الدوجماطيقية هي سمة الأصولية الماركسية التي تزعم أن تعاليم ماركس هي مبادئ وقواعد مطلقة تصلح لكل زمان ومكان. وهؤلاء قد تعرضوا لنقد شديد من الماركسيين الذين ينظرون بمرونة إلى تعاليم ماركس، كما أن الدوجماطيقيين الماركسيين هاجموهم لأنهم فسروا تعاليم ماركس بطريقة تتلاءم مع المتغيرات الدولية، يقول روزنتال ويودين :«إنهم يقومون بالهجوم على الماركسيين الذين أغنوا النظرية بفروض propositions ونتائج وتعميمات generalizations تلاءم مع المهام التي يقدمها العصر الجديد، مما يؤكد جمود الأصولية الماركسية، ومن ثم يؤكد دوجماطيقيتها.
فالعقل المغلق سمة كثير من المذاهب والتيارات، وهو المسؤول الأول بعد المصالح الاقتصادية عن الصراع الحضاري، بل هو منشأ الحروب العقائدية التي لا تزال تشتعل بين الحين والآخر، حتى لو كانت تتخفى وراء شعارات أخرى! ومن هنا فإن العودة إلى الموقف القرآني السمح إزاء الحضارات والأديان والتنوع الإنساني باتت أمرًا ملحًا.
